ابن قيم الجوزية

90

الوابل الصيب من الكلم الطيب

دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى » وروى أبو داود والنسائي من حديث أنس « أنه كان مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً ورجل يصلي ثم دعا : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، ولا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حي يا قيوم . فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى » فأخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه هذا الثناء والذكر ، وأنه اسم الله الأعظم فكان ذكر الله عز وجل والثناء عليه أنجح ما طلب به العبد حوائجه . وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء ، أنه يجعل الدعاء مستجاباً . فالدعاء الذي تقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد ، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل ، فإنه يكون قد توسل المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله ، وعرض بل صرح بشدة حاجته وضرورته وفقره ومسكنته ، فهذا المقتضى منه ، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله ، فاجتمع المقتضي من السائل والمقتضى من المسؤول في الدعاء ، وكان أبلغ وألطف موقعاً وأتم معرفة وعبودية . وأنت ترى في المشاهد - ولله المثل الأعلى - أن الرجل إذا توسل إلى ما يريد معروفة بكرمه وجوده وبره وذكر حاجته هو وفقره ومسكنته كان أعطف لقلب المسؤول وأقرب لقضاء حاجته . فإذا قال له : أنت جودك قد سارت به الركبان ، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك ، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغاً لا صبر معه ونحو ذلك ، كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء أعطني كذا وكذا . فإذا عرفت هذا فتأمل قول موسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دعائه { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } وقول ذي النون في دعائه { لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين } وقول أبينا آدم { ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق قال : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، فقال : « قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنه لا يغفر